الحلبي
53
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الفردوس إلى صدر الغار لتشرب ، قال أبو بكر : يا رسول اللّه ، ولي عند اللّه هذه المنزلة ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : نعم وأفضل ، والذي بعثني بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان عمله عمل سبعين نبيا » . أي وذكر بعضهم قال : « كنت جالسا عند أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : من كان له عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عدة فليقم ، فقام رجل فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعدني بثلاث حثيات من تمر ، فقال أرسلوا إلى عليّ فجاء ، فقال : يا أبا الحسن إن هذا يزعم كذا وكذا فاحث له فحثى له ، فقال أبو بكر . عدوّها ، فعدوها فوجدوها كل حثية ستين تمرة لا تزيد ولا تنقص ، فقال أبو بكر : صدق اللّه ورسوله ، قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الهجرة من الغار : كفي وكف عليّ في العدد سواء » ذكر الذهبي أنه موضوع ، ولعل قول الصديق صدق اللّه ورسوله علة لاختياره عليا على نفسه في أن يحثو ، لا أن ذلك علة لكون كل حثية جاءت ستين حبة . « ولما أيست قريش منهما أرسلوا لأهل السواحل إن من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة » أي ويقال إن أبا جهل أمر مناديا ينادي في أعلى مكة وأسفلها : من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير ، وإلى قصة الغار أشار صاحب الهمزية بقوله : أخرجوه منها وآواه غار * وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت * ما كفته الحمامة الحصداء واختفى منهم على قرب مرآ * ه ومن شدة الظهور الخفاء أي كانوا سببا لإخراجه من تلك الأرض التي هي مولده صلى اللّه عليه وسلم ومرباه ووطنه ووطن آبائه ، بسبب مبالغتهم في إيذائه وإيذاء أصحابه خصوصا ضعفاءهم ، وآواه غار وحمته منهم حمامة في لونها بياض وسواد ، وكفته أعداءه عنكبوت بنسجها الذي كفته إياهم الحمامة الكثيرة الريش ، فتلك الحمامة كانت ورقاء حصداء واستتر منهم مع قرب محل رؤيته . وحكمة خفائه واستتاره منهم مع ظهوره لهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه شدة ظهوره عليهم بالغلبة والمعونة الإلهية ، ومكثا في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر وهو غلام يعرف ما يقال ، يأتيهما حين يختلط الظلام ويدلج من عندهما بفجر فيصبح مع قريش كبائت في بيته فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه ويخبرهما به . وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما كان مملوكا للطفيل فأسلم وهو مملوك ، وكان ممن يعذب في اللّه عز وجل ، فاشتراه أبو بكر من الطفيل وأعتقه كما تقدم ، فكان يروح عليهما بمنحه غنم : أي قطعة من غنم أبي بكر ، فكان